أصدِقاء الكُتب : عندما تُصبح المشاركة ضرورة ملحّة

أضف تعليق1/03/2016 07:51:00 م, بقلم سلمى وعمرو

هذه التدوينة مختلفة. إنها ليست ترجمة لنصٍّ راقني، ولا مراجعة لعمل استأثر تفكيري فكان لزاماً أن أكتُبه حتى أتجاوزه. هذه التدوينة أبعد من ذلك، أقرب من ذلك، إنها حول ما يجعل قيامنا بما نحب أمراً ماتعاً. و ما يجعل هذه المتعة أكبر من أن نحتفظ بها لأنفسنا، فنعود لنتشاركها مع من نراهم سيفهموننا الأكثر. هذه التدوينة شهادة خجولة في حقِّ رِفاق الكتب.

المشاركة، هذا الفعل الذي اكتسب أبعادا جديدة في عصر الوسائط المتعددة الذي نعيشه وكاد يصنع لنا جيلاً يسارع إلى مشاركة المعرفة لغرض المشاركة بدل الاستمتاع بها : نسارع إلى تصوير كتابنا رفقة القهوة فتبرد هذه الأخيرة.. أو تلك المشاركة التي قال راسل فيها "يُقرأ الكتاب لسببين، الاستمتاع به، أو التباهي به"

 ليست هذه هي المشاركة التي أهدي لها تدوينتي هاته. بل إني أهديها إلى تلك التي تأتي غالباً في ساعات الليل المتأخرة، بين آخر صفحة كتاب و أول نقرة على الحاسوب. عندما يُسمع الحفيف الأخير للورق.. ذلك البوح الهامس أن أيا صديقاً، أوصيك بهذا العمل، بهذا الكتاب لأنه رجَّ عالمي. وأريده أن يرُجَّ عالكم أنت الآخر. ولكم تسعدني تلك الرسائل الجميلة التي أستيقظ إليها صباحا. محمّلة بالأرق اللذيذ و عواصف الحروف. تخبرني بأن الكتاب القادم يجب أن يكون هذا، ويجب أن يكون ذاك.

عندما يحلّ هذا الوقت من السنة يسارع الجميع إلى صياغة لوائح العام. وإذا كانت هذه التدوينة مهداةً إلى أصدقاء الكتب، فهي في الأصل محاولة  كتابة لائحة أفضل ما قرأ هؤلاء الأصدقاء خلال سنة. ولو أن كلمة "أفضل" بالغةُ المراوغة.

من بين الدمى المتحركة و السطحية الغارقة في العطور النسوية و البلاهة. تظهر هند كفتاة قوية ذات ذائقة أدبية رائعة، مولعة باللغة و الأدب الروسي، مطّلعة على الفن و كلاسيكيات الموسيقى العالمية. تقول هند حول كتابها المفضل :
"كان من الصعب حقا اختيار رواية واحدة للحديث عنها كواحدة من أفضل ما قرأت هاته السنة، و من الأصعب التحدث عن كل ما قرأت هاته السنة و نال إعجابي . لذلك قررت أن اتحدث عن رواية قرأتها مؤخرا وتركت في نفسي أثرا كبيرا .

رواية "المعلم  مارغاريتا "أو "الشيطان يزور موسكو" قدمت لي هذه الرواية هدية من بائع كتب في kiev  بعد أن أصبحت زبونة عنده، قائلا لي" ستجعلك هذه الرواية ترين كم يسهل افساد أمة و سترين روسيا كما لم تفعلي من قبل" .

لن أقوم بإعطاء ملخص لأحداث الرواية، فمن الأفضل ان يكتشفها المرء بنفسه، لكن سأقول ما يلي : تخيل نفسك جالسا في مقعد مريح و كوب قهوة أو شاي ساخن بيدك ، وأنت تستمع ل "cello suite " لباخ ، و بين يديك "المعلم و مارغاريتا"- تحفة بلغاكوف الذي كان سيحرمنا منها عندما قام بإحراق المخطوطة الأولى- الرواية ذات الطابع السريالي الكافكاوي حتى في بعض فصولها. الرواية التي جسدت لنا فلسفة الحياة المثمثلة في الصراع الأبدي بين الخير  الشر و الجشع و الغرور و الانتهازية في قالب روائي متقن مازج بين السخرية و الهجاء، و المهارة في تقنيات السرد و  الحبكة و  صياغة الأفكار اقرب مايكون الى الواقع لتجعلك تعتقد انها كتبت في زماننا الحاضر أو خصيصا له.

رواية "المعلم و مارغاريتا" تعد من أعظم ما كتب في القرن العشرين في الأدب الروسي، أبدع فيها بلغاكوف حتى  أخر ايام حياته و لم تر النور إلا بعد موته. جمعت لنا الخيال و الفلسفة و الحب و  الدين في قالب واحد لتجعل كل من يقرأ يحبس انفاسه حتى يصل الى اخر صفحة فيها  و يقول "رباه ما كل هذا"، بين السطور مئات الأفكار زرعها بلغاكوف و ترك لكل قارئ المجال لتأويلها كما يريد لانها رواية مفتوحة لكل الإحتمالات.
عند وصولك للفصول الأخيرة ستفهم لما ابتدأت  باقتباس من "فاوست" ل غوته :
"والآن قل من أنت؟
أنا جزء من تلك القوة، القوة التي تريد الشر أبداً وتعمل الخير أبدا."

عادِل -صديقي الأقرب، رفيقي في كل ولادة نصٍّ جديد، في كل زيارة للمكتبة و في كل تجربة قراءة جديدة- وجد صعوبة في تحديد ما يمكن أن يدعوه كتابه الأفضل، لكنه في النهاية قال : "وأنا أفتح دفتي أي كتاب أقرأه يكون مبتغاي منه الكثير، يكون أملي أن أجد في الكتاب ما يوجهني في مسيرة بحثي عن فكرتي العليا، ولا عجب أن أي كتاب يقرأ قد يمدك ولو بالشيء البسيط في بحثك. كأن يوفر لك معلومة تاريخية او أن يمنحك وصفا لحالة معينة تصلح للدراسة والتحليل...الخ ولكن ماذا عن افضل كتاب قرأت هذه السنة! لعل افضل الكتب التي نقرأها ليست تلك التي تغير منا القليل او الكثير ولا تلك التي نقرأها لهدف دراسي. ولكن أفضل الكتب هي افضل الكتب، هي تلك التي تستحوذنا وكذلك كان الحال مع "كزهر اللوز او ابعد".

عندما قرأت "موسم الهجرة إلى الشمال" وجدتُني أهرع في منتصف القراءة إلى مراسلة إيدي، لأني رأيت في البطل كثيراً من شخصيته و رأيتهما يتشاركان نفس المسيرة و ربما يتقاطعان إلى نفس المصير. عندما سألتُه عن كتابه المفضل لهذا العام ظننت أن جوابه سيكون لا محالة حول أحد أعمال دوستوييفسكي لكنه فاجأني باختياره :
"لعلّ ذلك الولع بالروايات، و متعة الغوص في دوامة الحكبة من مختلف الألوان الأدبية و الفكرية، يكون نابعاً من رؤية القارئ لنفسه في طيّ الصفحات، و كأنه يقرأ في مرآة. 
لا، لم أقصد روايات الدراما و قصص العشق المجردّة من أي حس فكري. و إن كنت لا أمانع الاطلّاع على كلاسيكيات الادب الرومانسي لأسباب تبقى أهمها الهرب من قسوة الواقع، و معرفة أسرار الكتابة و البيان. إنني و من بين الكتب التي استمتعت بقرائتها، لم أجدني أقرأ في مرآة تعكس من أنا، إلّا و كان الحديث - بالنسبة لي - عن أحد هؤلاء؛ دوستويفسكي، سول بيلو، كامو، كافكا. هل أسحب ورقة الفائز ؟ لا سوف أختار كافكا قطعا، و أتحدث عن آخر رواية قرأتها له " المحاكمة ". 
إنها رواية أصلية الفكرة، حبكة كابوسية يخيم عليها السواد حيث لا يكاد القارئ ينهي الفصل الثاني حتى يدرك أنّ بطل القصّة يرمز إلى الإنسان في هذا العالم القاسي. 
جوزيف ك. موضّف سامٍ في أحد الابناك التشيكية، يستفيق في أحد الايام في غرفته جائعا، لكي يفطر بخبر مفاده أنّه رهن الإعتقال، لا هو يعلم التهمة، و لا القارئ. صديقنا المُتهم، يقضي جلّ فصول الرواية في متاهة عبثية لا تنتهي وسط المدينة من البحث عن المحامي، و القاضي و المحامي الثاني، يضطر جوزيف تحت الضغط أن يسابق الزمن يخيط دروب المدينة و البنايات و قصور العدالة ذات الدهاليز و الغرف اللامنتهية. يقضي جوزيف سنة كاملة في البحث عن النهاية و المخرج كي ينعتق من عذاب البحث في الظلام. كي تنتهي قصتّه بحدث قد يبدو   غير مُتوقّع، و لكن كافكا قد جعلنا نفهم تلك النهاية من خلال رؤية وجوهنا في الفصل الأخير."

لم يكن بإمكاني أن أختم دون ذِكر مهدي، مهدي روح الفنان و عين المبدع. مهدي القارئ الشغوف.. رسالته ذات يوم هي التي عرّفتني بكورتاثار و جعلتني أقع في حب الأدب اللاتيني. ولم يكن غريباً أن تكون رواية الغريب أفضل الاعمال التي قرأها لهذا العام، وحولها كتبَ لي يقول :"للتو دهست سيارة كلبا تائها وهذا ليس مهما.. للتو في هذه اللحظة العبثية وبطلب من صديقتي سلمى أحاول ان اكتب شيئا صادقا عن أفضل رواية قرأتها هذه السنة. وانا أفكر ماذا سأكتب لأنه مهما كتبت لن يكون ذا أهمية. لم أجد نفسي سوى ذلك الكلب الذي مات للتو عبثا.. ومن يدري لعله (لعلني) كلب العجوز جار مورسو"


هل ستدوم عادة التوصيات العبقة بالأدب هذه؟ 2016 وحدها كفيلة بالإجابة.

هل تريد التعليق على التدوينة ؟