الفنان فرانسيس بيكون حول دور المعاناة و الوعي الذاتي في التعبير الإبداعي

أضف تعليق11/13/2015 02:49:00 م, بقلم سلمى وعمرو
"عندما يكتشف رجل أن مصيره هو المعاناة، تكمن فرصته المميزة في قدرته على تحمل عبءه." _فيكتور فرانكل.

نحن مغمورون في الكثير من الأساطير الثقافية المتعلقة بالمعاناة النفسية العاطفية و الروحية. لكنها لا تكتسب ذلك التعظيم الخطير إلا عندما يتعلق الأمر بميثولوجيا "العباقرة المعذبين" ذوي المصير الإبداعي. قديسو هذه الأسطورة ليسوا سوى أبطال مأساويين نذكر منهم فنسنت فان جوخ، دافيد فوستر والاس و سيلفيا بلاث. إنها صيغة للباثولوجيا الخلاقة لطالما ما وجدتها مميتة، لكنها بالرغم من هذا تخبئ حوارا عميقا حول دور المعاناة في الحياة الإنسانية و التعبير الإبداعي.

من كتاب : الفنان ملاحَظاً : 28 حوارا مع فنانين معاصرين، للناقد الفني جون غروين، يأتينا حوار واسع النطاق مع الفنان التشكيلي فرانسيس بيكون المعروف بأعماله العالية التصوير و الفائقة الحساسية ذات النغم القلق، المرعب و والمضطرب. باعتباره أشهر رسام بريطاني حيٍّ وقت الحوار سنة 1972. كان بيكون منبوذا بسبب تيماته العنيفة بالقدر نفسه الذي كان محترما فيه لأجل نظرته الإبداعية. عام 2013، أي 11 سنة بعد وفاته، أصبحت لوحة " ثلاث دراسات للوسيان فرويد" أغلى قطعة فنية زويِد عليها قط، مجمِّعة 14240500$.

بيكون -الذي يصفه غروين على أنه يبدو محاطاً في فراغ زمنيّ، مقدِّماً صورة مراهق مضطرب في سن 62- يفكّر بوعي ذاتي لافت للنظر فيما يسميه "بالوعة الحياة البراقة" الخاصة به، ويتأمل الدور الواسع للمعاناة في التجربة الإبداعية:

أعتقد أن الحياة عنيفة ومعظم الناس يتغاضون عن هذا الجانب في محاولة منهم لعيش حياة آمنة ومحميّة. لكنني أراهم يخدعون أنفسهم، أقصد، فعل الولادة فعل عنيف، و فعل الموت فعلٌ عنيف. ثم، كما لاحظتَ بالتأكيد، فعل الحياة فعلٌ عنيف. كمثال، هناك عنف ذاتي في حقيقة كوني أشرب كثيرا. لكنني أشعر دائما أن على الفنان تعلّم التغذي على شغفه و يأسه الخاص. هذه الأشياء تغيِّر الفنان سواء للحسن أول الأحسن أو الأسوأ. عليها أن تغيِّره. مشاعر اليأس و التعاسة أكثر نفعاً من مشاعر الرضا. لأن اليأس و التعاسة يوسِّعان من حساسيتك.

بعد أن قدّم جولة أخرى من الشراب لغروين، يتطرق بيكون لموضوع المعاناة، مقترحا تأويلا بديلا، أو بالأحرى تأويلا مربكا في قلب ميثولوجيا "العباقرة المعذَّبين":

أنا طبعاً أعاني، من منا لا يفعل؟ لكنني لا أشعر أني أصبحت فنانا أفضل بسبب معاناتي، بل بسبب قوة إرادتي، عن طريق اشتغالي على نفسي. يوجد رابط بين حياة المرء و عمله، لكنه غير موجود في الآن ذاته، لأن الفن في النهاية خادعٌ يميل المرء إلى نسيانه. سيتحقق الرابط إذا استطاع المرء أن يجعل من حياته عمله. أستطيع أن أقول أنني بمعنى من المعاني قد رسمت حياتي الخاصة، رسمت قصة حياتي في عملي الخاص. أظن أن أناساً قليلين هم من يمتلكون إحساسا طبيعيا تجاه الرسم. وهم هكذا يعتقدون طبعاً أن الرسم تعبير عن مزاج الفنان لكنه نادراً ما يكون كذلك. فكثيرا ما يكون في يأس عظيم وتكون لوحاته أسعد أعماله.

تناضح المعاناة و الزخم الإبداعي وفقاً لباكون متجذّرٌ في معرفةٍ عميقة و ضرورية للذات:

عليك أن تفهم، الحياة لا شيء إن لم تفعل بها شيئا. لقد تعلمت على مر السنوات أن أكون أكثر دهاءً. أعرف بالضبط أين من الممكن أن أخطئ، الأمر الذي لم أكت لأعرفه عندما كنت يافعاً. على كلٍّ، عندما أقول دهاءً، هي ربما ليست الكلمة المناسبة، أعتقد أن "متّقِد" كلمة أفضل. لأنني في الحقيقة لا أحب الناس الأدهياء.

في النهاية، تتشكل العملية الإبداعية نفسها من معرفة الذات و تبقى تجربة خاصة ومستقلة عن أية مصادقة خارجية:

إنه لمن المثير و المحفز أن يكون المرء تماما حيث عليه أن يكون في عمله، لأنه آنذاك تقرِّب الأشياء إلى جهازك العصبي. عليك أن تفهم أني لا أرسم لأحد آخر غير نفسي. ودائما ما أتفاجأ عندما يرغب أحدهم بالحصول على صورة لي. أرسم لأحمّس نفسي وأصنع شيئا لنفسي. لا أستطيع أن أصف لك مدى اندهاشي عندما بدأت أعمالي بالمبيع!
_____________________

تُرجم ونُقِّح عن : المصدر


هل تريد التعليق على التدوينة ؟